كتاب عن الداعية الاسلامي هاني مصطفى بسيسو : “شهادات في حضرة الغياب” من بينها شهادة الدكتورة هيام بسيسو.. شهادة طفلة عايشته في الطفولة

0
145

اعداد : الأستاذ اسماعيل البرعصي

تحرير: د. أحمد يوسف

طلب مني ان اقدم شهادة طفلة عايشته في الطفولة

أقدم لكم هذه الشهادة في هذا الكتاب

ولي الفخر بأني عايشت في طفولتي الخال ( هاني بسيسو)

خالي هاني، عالمٌ كامِلٌ

طُلِبَ منّي هذه الشهادة على عجل….

أعرف بأنها لن تفي أبداً بحقّك ومن خلال ما عشت معك في طفولتي، ومن خلال قراءاتي والبحوث التي كُتِبَت عنك. قَرَّرْتُ أن أكتفي بسنوات الطفولة التي عشتها قريبة منك، لأنها سنوات الزمن الجميل.

كنت حُلُماً يمشي على الأرض، تتفقّد أوجاع الناس. أمّا أنا فكنت أرتع في طفولتي المليئة بالفرح، وفرحك أنت بالذات كان يُضيف بهجة لبيتنا حين حضورك إليه من غيابك المُتقطّع. كان الوجه الذي يشعّ نوراً ويُبَشّر بمُستقبل وطمأنينة لقطاع غزّة الذي كنت تمنحه كثيراً من وقتك وتلفّه طولاً وعرضاً لتَطمئِنّ على الجميع واضعاً نفسك بخدمتهم.

هكذا كانوا يقولون داخل العائلة، أنك تهتم بالناس، وتتنقّل من مكان إلى مكان، من غزة إلى خان يونس، إلى رفح، ولكل مناطق القطاع… من شارع إلى شارع، ومن حارة إلى حارة، ومن بيتٍ إلى بيت.

لم يَستوعب عقلي في تلك المرحلة، ماذا يعني كل ذلك، وماذا تعني لك كل تلك الزيارات، هكذا كانوا يرددون، أنك لا تترك صغيراً أو كبيراً في قطاع غزّة أو العائلة إلّا وتعايده، لتطمئنّ عليه. ويرددون أنك كنت تبدأ لمن هم بحاجة ما، وبحاجة لك. لم يَسع عقلي في تلك المرحلة، ماذا كان بإستطاعتك أن تقدّم لهم. وكانت حاجاتي مختصرة على مدرستي ومحاطة بعائلتي والمُقَرَّبين من العائلة الأكبر. كانت احتياجاتنا متشابهة، فأنا مثل كل صديقاتي وقريناتي في المدرسة.

أمّا أن يكون أغلب القطاع بحاجة لك. كما كانوا يرددون، فقد كان هذا فوق مستوى فهمي، خاصة أنك لم تكن من الأثرياء لتَمُدّ لهم العون المالي.

راودتني نفسي، انهم بحاجة لهذا الوجه المشرق بالنور، الموحي بالطمأنينة والحب، وانهم بحاجة لكلامك وحوارك الذي يسري بالجسد كما الماء العذب الذي لا يتخلله أي شوائب، ويصل من القلب إلى القلب. وكما كنت تفعل معنا ومع أغلب أفراد العائلة.

كنت لا أتجرأ على طرح الكثير من الأسئلة الخاصة عنك، لأنني كنت أُراقب من حديث وعيون أفراد العائلة أن هناك أشياء لا تُسأل عنك… احتَفِلوا بزيارته وانعَموا بحبّه وما يخصصه لكم من زيارات وحوارات، وهذا يكفيكم.

أنا اكتفيت بذلك، وكان رائعا….، ذلك…. ذلك الزمن الجميل….

كنت تُناقِش وتحاور الصغير والكبير، وتستمع للجميع بكل تواضع. حتى أنا، أصغر طفلة بالعائلة، كنت تسمعني وتُحاورني، وحينما أطرح أسئلة تُجيبُني وتُفَسِّر لي الكثير مما كنت لا أفهمه.

كنت أشعر أنني أكبر معك كل لحظة. أنا أصغر فرد في العائلة، كما كانوا يقولون. كنت مهملة بالحوار واعطاء الرأي، وكان يجب أن أكتفي بحبهم وتدليلهم. وذلك بنظرهم يكفي

أمي كانت الوحيدة داخل بيتنا التي تسمح لي أن أحاور وأطرح أسئلة، ولكن بحدود… حينها كانت تنقلني إلى عالم أبعد من البيع ومناهج المدرسة. إنها أمي، عمود البيت، فأبي كان يعمل بالسعودية، فحلّت محلّه بتربيتي، وكان لها مكانتها العائلية والاجتماعية، فكم شعرت بأهميتي وهي تعطيني هذا القسط في داخل العائلة.

فعلمت حينها جواب السؤال الذي حيّرني فترة: لماذا يحتاجك الآخرون؟ فكان هذا بالنسبة لهم أهم من المساعدات التي كنت تقدّمها، وكان ممنوع منعاً باتاً أن يُشار إليها

بالنسبة لك من يساعد لا يَمُنّ، إضافة إلى أن ذلك كان من قناعات عائلتك الخاصة المقرّبة لك.

فهمت لماذا كان الآخرون بحاجة لك، كنت الشعاع والبوصلة لأرواحهم وطريقهم

أشعرتني أنك عالم كامل، وشعرت حينها أنني جزءاً من هذا العالم.

لقد نقلتني من موقعي أصغر طفلة داخل العائلة إلى موقع أنني جزء من عالم كامل.

لقد نقلتني من موقعي كأصغر طفلة داخل العائلة إلى موقع جزء من هذا العالم الكامل. وأن تنقل طفلة إلى عالم كامل، في جلسة أو عدّة جلسات، في أثناء زياراتك لنا، أوعلى مائدة الطعام التي تُكْمل الحديث والحوار أثناءها، أو أثناء تناول عصير البرتقال أو الليمون والفواكه من توت وجميز ورمّان وتين وموز من أشجار الحديقة، إلى عالم كامل خلال ساعتين أو بعد الظهيرة، أثناء تناول القهوة تحت شجرة التوت الشامية، وأن تكون حريصاً على تلك العادة وأن تظلّ دوماً على هذا العهد لا تخالفه أبداً

أن ذلك لأمراً مدهشاً حقاً لي وللجميع، لقد كان ذلك يثير فينا الإعجاب، إضافة إلى صبرك ومثابرتك على ذلك، وإعطاء الوعد بالعودة قريباً، ولم تَخْلُف به أبداً.

كان شعوري أن هناك سرّاً في شخصيتك. وخاصة ان الجميع كان يردد من أمي وأخوتي وأخواتي وخالاتي وكل أفراد العائلة المقرّبين منك، أنك لا تُشبه أحد، وأنك شخصية فريدة بالعطاء والحب والثقافة، وتحمل هموم القطاع كلّه بل فلسطين كلّها. وكنتُ أعلم أن هذا رأي جميع الناس بك، وعلى مستوى أوسع من فلسطين في العالم كله، لكن فلسطين كانت أول هذا العالم.

وحينها أدركت في سرّي أن كل زياراتك المكوكية في كل قطاع غزّة، من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، كان لنقلهم إلى العالم الأوسع.

كانت بداية تعلّمي، لِحُبّ العالم كلّه، على أياديك وفي وجهك المُشعّ بالنور ولسانك العذب، الذي كان حلواً كما طع التوت الذي أكلته مع العائلة كاملةً (التوتة الشامية). وكان التوت مُهِمّاً في حياة أمي و وَرَثْتُ حبّه منها، وله حكايات وحكايات في بيتنا وفي كلّ القطاع.

قلت في سرّي يحق لكل أفراد وعائلات قطاع غزّة الذين كنت تتصل بهم دوماً، أن ينتقلوا معك إلى هذا العالم الواسع الكبير.

وكانت سعادتي في أن تنقل الأطفال اليافعين رويداً رويداً إلى هذا العالم. وأن يعيشوا تلك اللحظات مثلي؛ لأنني كنت متأكدة أنك كنت تسمعهم وتحاورهم, ويسألونك وتفسّر لهم، ليعيشوا حالة لم يعتادوها من قبل، كما كنت تفعل معنا. لأنك لم تكن تميّز أحداً عن أحد أبداً.

كنت أتسائل: ما هو سرّك يا خال، يا عالماً كاملاً بذاته، يا نسيج وحده بين الرجال

تردد أمي أنه كان مُمَيَّزاً، بأخلاقه وسلوكه وحديثه. كان الأول على قطاع غزّة في دراسته. درس الحقوق بتفوّق في جامعات القاهرة. وأنهى الدرسات العليا، وعُرِضت عليه مراكز عليا في القطاع… لكنه رفض وأكمل مسيرته وقناعاته، مسيرته التي اختارها، وصرف كل دخله عليها، وعلى من يحتاج إليه ويعش حياة بسيطة مُتَقَشّفة لا يتخللها أي رفاهية… وكان الجميع القريب والبعيد، يشهد بذلك.

بيتنا كما قطاع غزّة كاملاً، كان مُشبَعاً بالناصرية مناصراً لها. وكنت برغم عمري الصغير أراسل عبد الناصر، كما الكثيرين والكثيرات من أطفال وشبيبة القطاع. كانت تصلني رسائل الشكر من سكرتارية الرئيس، لكني يإصراري وعنادي أضعت كل مصروفي المخصص لي من أمي في تكرار الرسائل الواحدة تلو الأخرى مُطالبة أن تكون الإجابة من الرئيس عبد الناصر نفسه. تحقّق طلبي أو حلمي. وصلني رسالتان أو ثلاث من الرئيس نفسه. و أول رسالة دشنتها وقرأتها مديرة المدرسة، أمام الطالبات، قائلة لهنّ إن أصغر طفلة بالقطاع تتلقّى رسالة شخصية من عبد الناصر نفسه، ومرفقة بها صورة شخصية له أيضاً.

و عبد الناصر، دون أن أراه، نقلني إلى عالم وكامل أيضاً.

كان عقلي يسأل: لماذا البيت وغزّة والقطاع يردد في حديث عبد الناصر, ولا يتكلّم عن عالم خالي.

حين التحدث عن عالم خالي، كانت تَرد عبارات الانسانية والوطنية والأخلاق والعطاء والزهد. فأحببت وأُعجبت بشخصية خالي بكل أبعادها دون حدود أو تمييز… وكذلك أحببت شخصية عبد الناصر بأبعادها الانسانية والأخلاقية والوطنية أيضاً.

وحين علمت أن خالي قُبض عليه مع رفاقه وأودِعوا في السجن في مصر، كان ذلك فاجعة لي.

أمي كانت تحب خالي كثيراً، أكثر من أبنائها، فتقطّع قلبها من الألم، وكانت تُردّد أن ضياع ابنتها البكر الأولى، كانت أول مأساة في حياتها، وها هي مأساة خالي في السجن ستدمّر ما تبقّى فيها من قوّة.

قلبي الصغير، الذي كبّره خالي وزرع به الحب والعطاء، لم يتحمّل فكرة أنني لن أره بعد اليوم في قطاع غزّة، ولكن ما كان يخفّف عني أنه استدعيَ لِلإدلاء بشهادته وسيعود سريعاً.

لم أحتمل أن أكره عبد الناصر، وأن اُسقط صورته الشخصية، التي أرسلها لي مع رسالته الخاصة، من حقيبتي المدرسية.

ومع أنني كنت أصرّح لخالي بحبّي لعبد الناصر وهو لم يعارضني يوماً بذلك الحب، ولم أسمعه يتكلّم عنه بأية إساءة ما، قلت في نفسي: إن خالي لا يكره أحداً ولقد علّمنا حبّ الوطن والتحلي بالأخلاق والسيرة الفاضلة… ما أعظمك يا خالي… كنت تحترم أفكار الغير، وحتى الطفل الصغير تشجّعه وتتركه ينضج وتساعده على التطوّر وتحاوره وتحترم مشاعره.

أتذكّر زيارات أختي الكبرى عائدة (أم هاني)، لي هنا في باريس، التي أطلقت على ابنها اسم هاني تيمّنا باسم خالي. كانت تروي دوماً عن خصاله وأخلاقه وشعاع النور من وجهه وحبه لفلسطين والدفاع عنها، وحبه لأهله وسكّان قطاع غزّة كاملاً. كانت تُردّد دوماً: إن قلب خالي هاني كان يتسع للعالم كله.

تُضيف أختي عائدة (أم هاني)، أن خالي كان يشير على أمي وخالاتي أن يصطحبن بناتهن الصبايا إلى السينما لمشاهدة أفلام كان ينصح برؤيتها أو يترك لهم الاختيار، ثم يجمعهم بعد ذلك، ويناقشهم في موضوع تلك الأفلام… وتذكّرت أنه بناءاً على نصيحته شاهدن فيلم (دعاء الكروان)، وناقشهن في موضوع الفيلم بعد ذلك.

كنت أسمعها بانتباه واعجاب وهي تتحدّث عنه، فأشعر أنني كم كنت محظوظة في طفولتي بوجود هذا الخال في حياتنا.

كل ما روته اختي الكبرى عائدة (ام هاني)، حديثاً في سنوات زياراتها لي في باريس، وكل ما كان يرويه الآخرون يبرز أن خالي كان شخصية ديمقراطية تتسع للآخر وتتقبّله، وتستمر معه بنفس المودة والعطاء والمساعدة والاحترام مهما اختلفت وجهات النظر.

وحين ايقافه وإداعه بالسجن، قلت أن في الأمر خطأً ما، فهذا المخلوق (الخال) لا يؤذي أحد ولا يعمل إلّا الخير لكل إنسان كائناً من كان. وأكدت لنفسي، وكما أكّد كل من يحبه ومن كان قريباً منه، أن فترة السجن ستكون قصيرة، وأنه سيعود إلى بلده معززاً مكرماً، لأن عبد الناصر لا يظلم أحداً، وهو المدافع عن فلسطين وعن أمة عربية واحدة، فكيف به أن يظلم.

لقد كان خالي زعيماً اسلامياً مشهوداً له بالوسطية والاعتدال والدعوة لتقبُّل الآخر والحوار معه، حتى لو كان مخالفاً، انظلاقاً من مبدأ “لا يفسد الخلاف للود قضية”. وكان يلتقي بأفكاره بعبد الناصر الذي رفع شعار تحرير فلسطين.

أما قضية سجنه فربما كانت من صنع أجهزة الأمن المصرية التي لا يعرف عنها عبد الناصر، ألاعيبها وتزلّفها ومحاولتها كسب رضا أولياء الأمر….

أثناء مرضي وعلاجي في إحدى المستشفيات في مصر، وذلك قبل استشهاد خالي بفترة قصيرة، عَلِم أنني حضرت إلى العلاج بصحبة أخي كنعان الذي زاره بالسجن، أرسل لي رسائل وبطاقات ووردة كبيرة وجميلة جداً، لا أعرف كيف تحصّل عليها.

وكذلك، اختي رائدة زارته في السجن عدة مرات وكانت حينها في جامعة عين شمس في القاهرة.

إنه هو، وكما هو، لا ينسى التفاصيل الانسانية التي تخصّ الآخر، حتى في سجنه وعذاباته.

تلك الوردة لم أنسها في حياتي. بقيت تلك الوردة تؤانسني طيلة فترة وجودي في المستشفى. تمتعت بجمالها وعطرها وأسميتها (عالم) ، خالي هاني. وبعدها نشّفتها على شباك غرفتي في المستشفى تحت شمس القاهرة الساطعة

اترك تعليق :

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا